في قصر بعبدا، تجاوز المبعوث الأمريكي توماس براك كل خطوط الدبلوماسية والأدب المهني، ليقدم عرضًا صارخًا من الإهانة المباشرة للصحافة، وحمل في ثنايا كلماته تهديداتٍ مبطّنةً موجَّهةً إلى زعماء المنطقة، في مشهدٍ استدعى أسوأ أساليب الدبلوماسية الأمريكية الفظة
لم يتردد براك، ممثل أقوى دولة في العالم، في وصف الصحفيين بأنهم “سبب الفوضى في الشرق الأوسط”، في تصريحٍ استفزازيٍّ صادرٍ عن دبلوماسي يفترض أن يكون مبعوثًا للسلام. الكلمات لم تكن مجرد انتقاد عابر، بل إهانة صريحة ومتعمدة تجاه الحضور والغائبين من الإعلاميين،
في خرق واضح للمادة( 41 )الفقرة( 1) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) والتي تُلزم الدبلوماسيين باحترام قوانين البلد المضيف وعدم التدخل في شؤونه الداخلية وتعدُّ الإساءة العلنية للإعلام المحلي شكلا من اشكال التدخل إضافة الى خرق العديد من المبادئ الأخلاقية في الدبلوماسية والتي أحدها مبدأ اللياقة الدبلوماسية ،وكأنه تجرد من صفته الدبلوماسية ليتحول إلى ضابط استخبارات عسكري يريد فرض ما يمليه بقوة . هذا السلوك, الذي يحاكي أسلوب الرئيس دونالد ترامب و”زبانيته” في إذلال الخصوم، دفع المتحدث الرسمي لوزارة الإعلام اللبنانية للخروج والاعتذار رسميًا عن هذه الإساءة غير المسبوقة التي تنم عن غياب الحساسية واحترام المهنة.
لكن اللافت – والأخطر – هو ما لم يقله براك صراحةً، لكنه أرسله برسائلَ مبطّنةٍ حادة
إنذار بالحرب بين السطور، كان صوته يحمل تهديدًا مروعًا بدق طبول الحرب. عباراته مثل “سنضع مجموعة مختلفة من القواعد هنا” و”أريدكم أن تصمتوا للحظة” – رغم توجيهها ظاهريًا للصحفيين – كانت موجهة في جوهرها إلى حكومات المنطقة، كمطالبة صارخة بالخضوع والامتثال.
بلغ التهديد ذروته بعبارة “في اللحظة التي يبدأ فيها الأمر بالفوضى أو بالسلوك الحيواني، سننهي كل شيء”. هذه الصيغة العنصرية (“السلوك الحيواني”) ليست إهانةً جديدةً للصحفيين فحسب، بل هي إنذارٌ نهائيٌّ للحكام: أي تحركٍ يُصنَّف تحت هذه العناوين (مثل أي رفض للشروط الأمريكية أو دعم للمقاومة) سيُقابَل بضربة عسكرية أمريكية حاسمة.
التسليم الكامل للمشروع الإسرائيلي في غزة و مطالبة ضمنية بتبرئة إسرائيل من جرائم الإبادة الجماعية والتهجير واستهداف الصحفيين، ومطالبة المنطقة بـ”المشاهدة بصمت” لضمان نجاح التغيير الديموغرافي والجيوسياسي الذي تقوده إسرائيل بدعم أمريكي كامل.
مشهد بعبدا لم يكن مجرد إساءة للصحافة، بل كان استعراضًا للقوة وبرقية تهديدٍ مبطنةٍ ، براك بسلوكه الذي يناقض صفة “مبعوث الاميركي”، أرسل رسالةً لا لبس فيها: الخيارات أمام المنطقة إما الخضوع الكامل للشروط الأمريكية-الإسرائيلية، أو مواجهة عواقب “إنهاء كل شيء”. ردة الفعل الرسمية والإعلامية العربية الغاضبة تعكس حجم الصفعة، لكن السؤال الأكبر يبقى: كيف ستترجم الحكومات هذه التهديدات المبطنة والإنذار الأخير الواضح بين سطور إهانة الصحفيين؟ المشهد في بعبدا كشف أن الدبلوماسية الأمريكية، تحت شعار السلام، تخفي سيفًا مسلطًا ومطالبَ لا تقبل المساومة .