بقلم رئيس التحرير يعرب خيربك
بحر الصين الجنوبي اليوم ليس مجرد مسرح للمناورات، بل هو امتداد لصراع قديم على البحار والممرات. وهو العنوان الخفي بل وكلمة السر لأغلب الصراعات العالمية، التي قادتها امريكا وناورتها الصين، خصوصاً في السنوات العشر الاخيرة،
وحين أطلقت بكين دورياتها القتالية في فبراير 2026، كانت تعيد الإمساك بشواطئ التاريخ ومنعطفاته، بعيداً عن دوار البحر الذي اصاب الشرق الاوسط واوروبا، رغم ان امريكا والصين هم المبحران هناك،
ولإعادة التوازن للجميع، اطلقت الصين هذه المناورات تحديداً بعد تحريب حرب السلاح بين باكستان والهند لمصلحة الصين، وصمدت في حرب الاقتصاد عبر حرب اوكرانيا، وأطلقت شيفرتها الحضارية الكهروسياسية عبر التهديد الامريكي لإيران،
فكانت المناورات تمهيداً بد وكأنه يعيد إلى الأذهان صور الأساطيل التي كانت تتنافس على طرق الحرير البحرية، حيث كان البحر مرآة للهيمنة ومفتاحًا للمستقبل. دخول سفينة الإنزال 076 “سيتشوان”، القادرة على تشغيل مسيّرات بعيدة المدى، يعلن أن الصين تستحضر روح الإمبراطوريات القديمة ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين.
ولكن دوناً عن كل الجبهات المالية والاوكرانية والايرانية والسياسية والتكنلوجية اختارت الصين معركة بحرية ولو افتراضية،
ففي الحضارة العربية، كان البحر فضاءً للذاكرة والهوية: من موانئ صور وصيدا إلى أساطيل الأندلس، حيث ارتبط البحر بالكرامة والسيادة. واليوم، حين يتقاطع بحر الصين الجنوبي مع التجارة العالمية التي تتجاوز 3 تريليونات دولار سنويًا، يصبح المشهد أشبه بملحمة جديدة، حيث تتصارع القوى على الممرات كما تصارعت الأمم على طرق البخور والذهب.
المستقبل يحمل نذرًا واضحة: سباق تسلح بحري، تحالفات متشابكة، وتكنولوجيا عسكرية تعيد رسم الخريطة. لكن خلف كل ذلك، يبقى البحر شاهدًا على أن الحضارات تُختبر دائمًا عند حدود الماء، حيث الحرية والسيطرة تتنازعان. بحر الصين الجنوبي إذن ليس مجرد خبر عسكري، بل جرس إنذار حضاري يذكّرنا أن من يملك البحر يملك ذاكرة الأمم ومصيرها.






















