كتب المحاضر في كلية العلوم السياسية جامعة بغداد الأستاذ الدكتور حيدر جواد الخفاجي إلى مرصد طريق الحرير مقالاً مميزاً يعالج جدلية السلطة والهيمنة في الواقع العراقي جاء فيه: لم تعد إشكالية السلطة في العراق مسألة ترتبط بشكل النظام السياسي أو آليات تداول الحكم فحسب، بل غدت معضلة بنيوية عميقة تتشابك فيها العوامل الداخلية المعقّدة مع الضغوط الخارجية المتعددة، فالدولة لم تعد تُختبر فقط بقدرتها على تنظيم العملية الانتخابية أو إنتاج حكومات متعاقبة، وإنما بقدرتها على صياغة قرار وطني يستجيب لحاجات المجتمع، وفي هذا السياق، تحوّلت الدولة من كيان يُفترض فيه أن يكون معبّرًا عن الإرادة العامة إلى فضاء تتنازع فيه شبكات النفوذ الداخلية وتتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية، الأمر الذي أفرز حالة من الهيمنة المزدوجة، هيمنة داخلية تمارسها قوى سياسية واقتصادية نافذة، وتتشابك فيه المصالح الخارجية والتي تتجسّد في أنماط حديثة من الهيمنة، ومن هنا تتبدّى جدلية السلطة والهيمنة بوصفها نتاجًا لتفاعل معقّد بين الارتهان الداخلي والكولونيالية الجديدة، حيث يغذّي كل منهما الآخر ويعيد إنتاجه ضمن دائرة مغلقة تعيق تشكّل دولة مؤسسات حقيقية.
إن مفهوم الارتهان الداخلي في الحالة العراقية لا يقتصر على سيطرة النخب السياسية على مواقع القرار، بل يمتد ليطال البنية الاقتصادية والإدارية للدولة، فقد أسهم الاقتصاد الريعي، القائم على مورد أحادي، في تكريس نمط من العلاقة الزبائنية بين السلطة والمجتمع، حيث تُستبدل معايير الكفاءة والاستحقاق بمعايير الولاء والانتماء، وبفعل هذا النمط، تتحوّل الدولة إلى موزّع للموارد لا إلى منظم عادل لها، ويصبح الوصول إلى الوظيفة العامة أو الامتياز الاقتصادي مرتبطًا بالقرب من مراكز النفوذ لا بمقتضيات المصلحة العامة، ومع مرور الوقت، يتكرّس منطق المحاصصة بوصفه آلية لإدارة السلطة، فتغدو المؤسسات مجرد حصص تتقاسمها القوى المتنفذة، ويُعاد إنتاج النفوذ عبر شبكات سياسية واقتصادية وإعلامية متداخلة.
وتتعمّق أزمة الارتهان الداخلي حين يُقوَّض مفهوم المواطنة لصالح الهويات الفرعية، إذ يُعاد تعريف الفرد بوصفه تابعًا لجماعة سياسية أو طائفية أو عشائرية، لا بوصفه مواطنًا متساوي الحقوق والواجبات، هذا التحوّل لا يحدث بصورة عفوية، بل يُستثمر سياسيًا كأداة تعبئة وحشد وضبط اجتماعي، فتُستحضر الانقسامات الهوياتية كلما اشتد التنافس على السلطة أو الموارد، ونتيجة لذلك، يتآكل العقد الاجتماعي الذي يفترض أن ينظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويحلّ محله توازن هش بين جماعات نفوذ تتقاسم الدولة بدل أن تبنيها، وفي ظل هذا الواقع، تتراجع الرقابة المجتمعية على السلطة، خاصة مع ضعف المجتمع المدني وتفكك الطبقة الوسطى، فيغيب الضغط الإصلاحي المنظّم القادر على مساءلة النخب أو تصحيح مسارات الحكم.
ولا يقتصر الارتهان الداخلي على البعد السياسي والهوياتي، بل يمتد إلى ربط الاقتصاد الوطني بشبكات فساد معقّدة تعيق أي محاولة جادة للإصلاح ،وهنا يصبح الإصلاح تهديدًا مباشرًا لبنية النفوذ القائمة، فتُفرغ السياسات الإصلاحية من مضمونها أو تُعطَّل عبر البيروقراطية أو الصراع السياسي.
في المقابل، تمثّل الكولونيالية الجديدة نمطًا حديثًا من الهيمنة لا يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر، بل على إدارة النفوذ عبر أدوات اقتصادية وسياسية وثقافية وأمنية، وفي السياق العراقي، تتجلّى هذه الهيمنة في قابلية البنية الداخلية للاختراق، نتيجة هشاشتها البنيوية، فالتدخل في القرار السياسي لا يتم بالضرورة عبر فرض مباشر، بل عبر دعم مشروط، وضغوط دبلوماسية، وتوظيف المساعدات الاقتصادية والأمنية كوسائل تأثير وبهذه الطريقة، تتأثر مسارات تشكيل الحكومات وصياغة السياسات العامة باعتبارات التوازنات الإقليمية والدولية، فيتحول القرار الوطني إلى نتاج مساومات تتجاوز حدود الإرادة الشعبية.
اقتصاديًا، تتجسد الكولونيالية الجديدة في تكريس التبعية من خلال ربط الاقتصاد الوطني بالأسواق الخارجية وبشروط المؤسسات المالية الدولية، وفتح الأسواق دون بناء قاعدة إنتاجية قادرة على المنافسة، ويؤدي ذلك إلى إضعاف القطاعات المنتجة وتعميق الاعتماد على تصدير المواد الخام، ما يجعل الاقتصاد عرضة لتقلبات السوق العالمية ويقيد هامش الحركة أمام صانع القرار الوطني، ومع استمرار هذا النمط، يصبح تحقيق تنمية مستقلة أمرًا بالغ الصعوبة.
إن أخطر ما في المشهد العراقي ليس وجود الارتهان الداخلي أو الكولونيالية الجديدة كلٌّ على حدة، بل التفاعل الجدلي بينهما، فالارتهان الداخلي يهيئ بيئة سياسية واقتصادية هشّة تسمح بالتدخل الخارجي، ويوفّر شركاء محليين لمشاريع الهيمنة وفي المقابل، تعمل الكولونيالية الجديدة على حماية منظومات النفوذ الداخلي وإعادة إنتاجها، عبر توفير الدعم أو الغطاء الذي يضمن استمرارها وبهذا المعنى، تتكوّن حلقة مغلقة تتغذى فيها الهيمنة الداخلية والخارجية بعضها على بعض.
في ضوء ذلك، تبدو أزمة الدولة العراقية أزمة بنيوية مركّبة تتجاوز حدود الصراع السياسي اليومي، إذ تمسّ جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الداخل والخارج، وإن كسر هذه الحلقة لا يمكن أن يتحقق عبر شعارات سيادية مجردة، ولا عبر إصلاحات جزئية معزولة، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين السلطة والمجتمع على أساس المواطنة ودولة المؤسسات، وتفكيك شبكات الارتهان الداخلي التي تُضعف الدولة، بالتوازي مع بناء سياسة خارجية واقتصادية تستند إلى تنويع الخيارات وتعزيز الاستقلال النسبي في القرار، عندها فقط يمكن الانتقال من إدارة التوازنات القسرية إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد يُعيد للدولة معناها السيادي، ويمنح المجتمع دورًا فعليًا في رسم مستقبله.
الدكتور حيدر الخفاجي





















