وفي (صك البراءة) أقول: “” وإن نعتنا ذوي العقول المسطحة والتجسيد المقيت والمنهج العقلي المعوج بالغلو والشرك ( وما قتلوه وما صلبوه )، فإنّ في هذا فخرنا وعزنا وعليه ثباتنا، غلو مؤمن محب عاقل متدبر بلغ التجريد، وسمع التصريح وفهم التلميح، ودقق بالقدرة وذهب إلى أبعد من دلالات الطبيعية وحجز العقول عند أعتاب الحدود والتصاوير، تلقينه في الممات: الله ربي محمد نبيي علي إمامي. فهيهات أن يكون للسماء والأرض ربين إن هو رب واحد، غلو فيه الإنصاف والإقرار بالحقيقة من متدبر منزه تعالى عن عبادة المقصرة زمرة الهمج الرعاع تبّاع كل ناعق، بكل وادٍ يهيمون، ممن يدعون موالاة العترة الطاهرة، قوم لا ننعق نعيقهم نعيق الغربان ولا نقتل نبياً ولا نتخاذل عن نصرة وصي ثم نمشي بنعشه، برأنا منهجاً ومعتقداً منكم ولا يضرنا قولكم فينا، قربتنا الأسماء وفرقتنا المعاني، والحق في المعنى لا في أسم وصفة تبدّلت وتنقلّت، ولله در الشاعر فقد أصاب حين قال: فليعبدوا ما يعبدوا لا والذي.. وجد الوجود ربهم لن يعبدا. ولئن كفرتمونا وأدبرتم وتناسيتهم وحدة المذهب والمشرب، فحسبنا الله إليه تجتمع الخصوم يوم ينادي المنادي ألا لعنه الله على الظالمين””.
ليس غريباً أو مستهجناً أن يعرّف الإمام علي السياسة بجوهرها كما هي اليوم حين قال: لولا التقى لكنت من أدهى العرب”، السياسة بجوهرها دهاء، ولما تلطخت السياسة بمعاني الخبث والمكر وممارساتهما، فكان لا بد في سبيل تصويب النهج وتوضيح المعنى وإقامة نهج الله من تصويب معنى السياسة لتأخذ معاني التدبير والحكمة في الإدارة، الأمر الذي أوجب تخليصها من الشوائب وإعطائها صبغة إنسانية، وهذا من عشر معشار ما تجلى في نهج الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
تعامل الإمام علي بن أبي طالب مع معارضيه وفق منظومة “أخلاق القوة” و”فلسفة الحق”، حيث لم تكن السياسة عنده غاية تبرر الوسيلة، بل كانت وسيلة لإحقاق قيم عليا، وهذا ما قد تجلى ذلك في وضعه لأسس وقواعد قانونية وأخلاقية في التعامل مع المعارض (المسالم) والمحارب (الباغي)، وهنا نقف عند جملة من الأسس الفلسفية والعملية التي استند إليها، مدعومة بشواهد من نهج البلاغة:
أولاً: مبدأ “الحرية السياسية” وحق المعارضة (المعارض السلمي): لم يصادر الإمام علي حق الناس في الاختلاف معه، طالما لم يرفعوا السلاح، وتجلى ذلك في تعامله مع الخوارج في بداياتهم، حيث وضع لهم ثلاثاً: “لا نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم من الفيء، ولا نبدأكم بقتال”، والشاهد من الخطب: يقول في خطبته مبيناً حق الرعية في المساءلة والمعارضة: فَلاَ تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَلاَ تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَلاَ تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ… فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَة بِحَقٍّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل” (الخطبة 216… هنا يؤسس لإلغاء “هيبة الحاكم” الزائفة التي تمنع النقد، معتبراً أن الحق فوق الحاكم.
ثانياً: فلسفة “الاستصلاح” قبل “الاستئصال“: كان منهجه يقوم على الحوار الفكري والمناظرة قبل اللجوء للقوة، لم يكن يقاتل من أجل السلطة ولا من أجل الخلافة وحفظ الإسلام في مهده عندما اغمد سيفه وكبح ناصره حرصا على الوحدة والشمل وإن كان صاحب حق، بل كان يسعى لإقامة الحجة وإعادة المعارض إلى جادة الصواب، والشاهد من الشواهد التاريخية والخطب: عندما أرسل ابن عباس لمناظرة الخوارج، وعندما خاطب جيش أهل البصرة في حرب الجمل قائلاً: وقَدِ اسْتَفْتَحْتُكُم وَدَعَوْتُكُم، فَأَبَيْتُمْ إِلاَّ الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ” ، وكثيراً ما كان يوصي قادته دائماً: “لا تقاتلوهم حتى يبدأوكم”، ليحصر المسؤولية الأخلاقية للدم في الطرف الآخر.
ثالثاً: (أخلاق القتال مع البغاة): وضع الإمام علي قواعد اشتهرت في الفقه السياسي الإسلامي كأول “قانون دولي” للتعامل مع المتمردين الداخليين، وهي تختلف تماماً عن قوانين الحروب الخارجية منها عدم الإجهاز على الجريح: لا يُقتل من عجز عن القتال، وعدم تتبع المدبر: من ولى ظهره وهرب من المعركة فله الأمان، وحرمة الممتلكات والنساء: لم يسبِ ذرية، ولم يغنم أموالاً من معارضيه، معتبراً إياهم “إخواننا بغوا علينا”. الشاهد من وصاياه لعسكره قبل لقاء العدو بصفين: لاَ تَقْتُلُوا مُدْبِراً، وَلاَ تُصِيبُوا مُعْوِراً، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيح، وَلاَ تَهِيُجوا النِّسَاءَ بِأَذىً، وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ، وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ” (وصية 14).
رابعاً: التمييز بين “طالب الحق” و”طالب الباطل“: امتلك الإمام رؤية فلسفية عميقة تفرق بين الدوافع. فلم يعامل الخوارج (الذين ضلوا في فهم النص) كما عامل معاوية (الذي نازعه السلطة عن عمد)، والشاهد: قوله الشهير بعد مقتل الخوارج في النهروان:” لاَ تَقْتُلُوا الْخَوَارِجَ بَعْدِي؛ فَلَيْسَ مَنْ طَلَبَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ، كَمَنْ طَلَبَ الْبَاطِلَ فَأَدْرَكَهُ” (كلام 61، هذا تفريق فلسفي دقيق بين “الخطأ المعرفي” و”الانحراف الأخلاقي”.
خامساً: الصبر على “الأذى الشخصي” في سبيل “المصلحة الكلية“: كان يتحمل تطاول المعارضين اللفظي وسوء أدبهم في المحافل العامة، مفضلاً السلم الأهلي على كرامته الشخصية كحاكم، والشاهد: حين قاطعه أحد الخوارج وهو يخطب قائلاً: “قاتله الله كافراً ما أفقهه!”، وهمّ الناس بقتل الرجل، منعه الإمام قائلاً: ” رويداً، إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب”.
سادساً: مأسسة “المعارضة المسالمة” : وفي عهد الإمام لمالك الأشتر النخعي، فقد أمره بكسر الحاجز الأمني والبروتوكولي بينه وبين الناس، ليسمح لأشد المعارضين والمشتكين بالحديث دون خوف، وهو ما يسمى في العلم الحديث بـ “المجال العام المفتوح”، والشاهد من العهد: واجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ، وَتَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِسًا عَامّاً… وَتُنَحِّ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَأَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَشُرَطِكَ؛ لِكَيلاَ يَتَتَعْتَعَ (يتردد) مُتَكَلِّمُهُمْ،”، حيث إن هذا الإجراء يهدف إلى “نزع رهبة السلطة”، وهي الخطوة الأولى لتمكين المعارضة الشعبية من قول الحق دون خوف من التنكيل.
سابعاً: فلسفة استيعاب الغضب: يدرك الإمام أن المعارضة قد تخرج أحياناً عن طور اللياقة نتيجة الظلم أو الحاجة، فيرسم للحاكم منهجاً نفسياً لاستيعاب هذا الضجيج، والشاهد من العهد: ” واحْتَمِلِ الْخُرْقَ مِنْهُمْ وَالْعِيَّ (غلظة الكلام)، وَنَحِّ عَنْكَ الضِّيقَ وَالأنَفَ (التكبر).. فإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لاَ يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتَع.”
سابعاً: الشفافية كأداة لامتصاص الاحتقان: عندما تظهر معارضة ناتجة عن “سوء فهم” لسياسات الدولة، يوجه الإمام الحاكم إلى مبدأ “المكاشفة والاعتذار” بدلاً من القمع أو التبرير الفوقي، والشاهد من العهد: “وإِنْ ظَنَّتِ الرَّعِيَّةُ بِكَ حَيْفاً (ظلماً)، فَأَصْحِرْ لَهُمْ بِعُذْرِكَ (صارحهم بوضوح)، وَاعْدِلْ عَنْكَ ظُنُونَهُمْ بِإِصْحَارِكَ، والفلسفة هنا هي أن “الوضوح السياسي” يكسر شوكة التمرد، والاعتذار من الحاكم للرعية هو قمة القوة الأخلاقية لا الضعف الإداري.
بالمجمل، تكتسب دراسة منهج الإمام علي في التعامل مع معارضيه أهمية قصوى في عالمنا المعاصر، ليس فقط كونه تأريخاً سياسياً، بل بوصفه “نموذجاً أخلاقياً” قادراً على سد الثغرات في النظريات السياسية الحديثة، كما إن دراسة هذا المنهج اليوم تمثل في الجوهر محاولة لاستعادة “إنسانية السياسة“، إذ تقدم نموذجاً للحاكم الذي يرى في “المعارض” شريكاً في الوطن أو نظيراً في الخلق، وليس عدواً يجب سحقه: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، لم يستخدم “سيف الدولة” لتكميم الأفواه، بل جعل السيف “آخر الدواء” الذي يُسحب بحزن وكره، لا بنشوة وغلبة.
بقلم : ساعود جمال ساعود محمد علي جغيلي






















